الطاقة، الإقتصاد والتكنولوجيا

الطاقة العالمية في نفق مظلم وآفاق قاتمة

الطاقة العالمية في نفق مظلم وآفاق قاتمة
تعليق على الصورة

يقف العالم اليوم مترقبًا مآلات الصراع المسلح المحتدم بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وهو صراع أُقحمت فيه دول منطقة الخليج العربي من دون أن يكون لها دور فيه، بل سعت على الدوام إلى احتوائه عبر الوسائل الدبلوماسية والسياسية. ومع ذلك، تجد هذه الدول نفسها اليوم تتحمل أعباءً أمنية وسياسية واقتصادية قد تفوق، في بعض جوانبها، ما يتحمله أطراف الصراع أنفسهم.

انساقت الولايات المتحدة إلى حدٍّ بعيد خلف المقاربة الإسرائيلية، لتكون سندًا لها في صراعها مع إيران. وفي المقابل، لجأت إيران إلى توظيف سلاح الطاقة أداةَ ضغط رئيسة لوقف الهجوم العسكري الواسع عليها، وربما كرسالة ردع تؤكد قدرتها على استخدام هذا السلاح في مواجهة أي تهديد مستقبلي. فنظرًا إلى أن الطاقة تمثل عصب الاقتصاد العالمي، فإن توظيفها في هذا السياق يترك آثارًا واسعة النطاق، حتى إن جاء ذلك على حساب أمن دول الجوار واستقرارها التي انتهجت مواقف معتدلة تجاهها.

لقد تمكنت إيران من إحداث اضطراب واسع النطاق في منظومة الطاقة العالمية، لم يشهد العالم له مثيلًا منذ عقود، وربما تمثل هذه الأزمة إحدى أشد الأزمات وأعمقها أثرًا في هذا القطاع الحيوي منذ بدايات سبعينيات القرن الماضي. وفي المقابل، قد تكون إيران لم تُقدّر بعد حجم التكلفة الاستراتيجية التي ترتبت على ذلك، والمتمثلة في استجلاب غضب دول الجوار، وتآكل مستويات الثقة بإمكانية إقامة أي تعاون سياسي أو اقتصادي، بل حتى إنساني، معها في المستقبل.

أولًا: قطاع الطاقة العالمي، أمام اختبار حقيقي للصمود

على الرغم من التحولات الكبيرة التي شهدها العالم خلال العقدين الماضيين، ولا سيما من حيث التوسع في مصادر الطاقة البديلة وتطور تكنولوجيات إنتاجها وكفاءتها، فإن الاقتصاد العالمي لم يتمكن بعد من التحرر من اعتماده على القطاع الهيدروكربوني. فلا يزال هذا القطاع يشكّل المدخل الرئيس لإنتاج معظم السلع والخدمات، كما يمثل مرتكزًا أساسيًا للسياسات المالية والنقدية وحتى الاجتماعية.

وبعد نحو أسبوعين من اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وطبيعة الاستراتيجية التي انتهجتها طهران في التعامل معها، تتعمق خسائر قطاع الطاقة العالمي يومًا بعد يوم، في وقت تبدو آفاق تعافيه، حتى بعد توقف الصراع، قاتمة إلى حد بعيد. نلاحظ غيابًا للمعلومات الدقيقة حول حجم الأضرار التي لحقت بالطاقات الإنتاجية للنفط والغاز، سواء في الدول التي تعرضت للهجمات الإيرانية، أو في إيران نفسها، التي استهدفت حقولها ومنشآتها النفطية عدة ضربات، كان أبرزها الهجوم على المنشآت المرتبطة بحقل "بارس" الجنوبي للغاز.

واليوم، لم تعد الأسعار وحدها هي التحدي الأبرز الذي تواجهه الدول المستوردة للنفط والغاز ومشتقاتهما، بل باتت الإمدادات وتوافرها في صدارة حالة القلق العالمي، وهي بلا شك العامل الرئيس وراء الارتفاعات المتسارعة في أسعار هذين الموردين. وتُعدّ الدول الآسيوية الأكثر تضررًا في هذا السياق، وعلى رأسها الصين والهند واليابان، التي تشكّل مجتمعة نحو 80 في المئة من كميات النفط المارة عبر مضيق هرمز، والتي تمثّل بدورها قرابة نصف واردات دول شرق آسيا من النفط[1]. وهذا ما يفسّر، بطبيعة الحال، لجوء هذه الدول إلى القنوات السياسية والدبلوماسية مع الجانب الإيراني للحصول على الضمانات اللازمة لاستمرار عبور شحناتها عبر المضيق. وفي المقابل، لا تُبدي هذه الدول استعدادًا للانخراط في الصراع العسكري أو توفير الحماية العسكرية لناقلاتها، مع أنها من أكثر الدول تأثرًا بتقييد حركة الشحن عبر مضيق هرمز؛ ما يعكس موازنة دقيقة بين مصالحها الاقتصادية واعتباراتها الجيوسياسية.

ثانيًا: تدابير عاجلة للتعامل مع نقص الإمدادات

يبدو مشهد الطاقة في آسيا شديد القتامة، في ظل مواجهة عدد من الدول تحديات حقيقية في تأمين إمدادات الطاقة؛ ما دفعها إلى اتخاذ إجراءات مباشرة للتعامل مع النقص المتزايد. ففي الفلبين، على سبيل المثال، جرى تقليص أيام العمل الرسمية إلى أربعة أيام أسبوعيًا بهدف خفض استهلاك الطاقة الحكومية بنحو الخُمس، مع توجيه الموظفين إلى إطفاء أجهزة الحاسوب خلال فترات الاستراحة. ودعت فيتنام الموظفين إلى العمل عن بُعد، في حين حثّ رئيس الوزراء في تايلاند المسؤولين على استخدام السلالم بدلًا من المصاعد. وفي السياق ذاته، لجأت العديد من الدول إلى فرض قيود على استهلاك الوقود وتوجيه الإمدادات المحدودة إلى القطاعات الحيوية، وعلى رأسها المستشفيات.

وفي الوقت الذي تتصدر فيه أولوية تأمين الإمدادات اهتمامات الدول الأكثر اعتمادًا على الموارد الهيدروكربونية العابرة عبر مضيق هرمز، تواجه العديد من اقتصادات العالم تحديات متصاعدة مرتبطة بـارتفاع فاتورة استيراد الطاقة، وما يرافق ذلك من ضغوط على موازين المدفوعات، إضافة إلى انعكاساته المباشرة على مستويات المعيشة، لا سيما في الدول التي تعاني أصلًا ارتفاع تكلفتها.

فالدول التي تعتمد على آليات السوق في تسعير الطاقة، سواء في الوقود أو الكهرباء، دخلت في موجة ارتفاعات يصعب التنبؤ بسقوفها. ذلك أنّ أسعار النفط تتعرض لضغوط تصاعدية متواصلة، مدفوعة بتزايد استخدامه أداةً ضمن معادلة الصراع. وقد انعكس ذلك في ارتفاعات ملحوظة في أسعار الوقود في عدد من دول العالم، حيث تجاوزت 30 في المئة في دول مثل لاوس وأستراليا وفيتنام، وراوحت بين 20 و25 في المئة في الولايات المتحدة وباكستان، بينما سجلت زيادات تجاوزت 10 في المئة في دول مثل الصين ولبنان وألمانيا وكندا وكمبوديا. وتبقى هذه الارتفاعات مرشحة لمزيد من التصاعد، في ضوء القفزات الأخيرة في أسعار النفط، وربما بوتيرة أعلى إذا ما استمر استهداف القطاع النفطي بصفته أحد أبرز محاور الصراع القائم.

وفي هذا السياق، تشير بيانات النشرة الأسبوعية للنفط الصادرة عن المفوضية الأوروبية إلى تسجيل ارتفاعات ملحوظة في أسعار البنزين 95 خلال الفترة 23 شباط/ فبراير - 9 آذار/ مارس 2026، لا سيما في ألمانيا والنمسا. ففي ألمانيا، ارتفعت الأسعار من نحو 1.82 يورو للتر إلى 2.07 يورو، أي بزيادة تقارب 14 في المئة، بينما شهدت النمسا ارتفاعًا مماثلًا من 1.51 إلى 1.71 يورو للتر، بنسبة تقارب 13 في المئة. وسجلت فنلندا زيادة ملحوظة، حيث ارتفعت الأسعار من نحو 1.71 إلى 1.93 يورو للتر، مع العلم أن أسعار الوقود فيها تُعدّ من الأعلى في أوروبا بسبب ارتفاع الضرائب

وفي مواجهة هذه التداعيات، اقترحت وزيرة الاقتصاد الألمانية كاثرينا رايشه تشريعًا يهدف إلى تنظيم ارتفاع أسعار الوقود، حيث تنص الخطة، على غرار التجربة النمساوية، على السماح لمحطات الوقود برفع الأسعار مرة واحدة يوميًا فقط عند الساعة 12 ظهرًا، مع الإبقاء على إمكانية خفض الأسعار في أي وقت. إلا أن هذا التشريع لم يدخل حيّز التنفيذ بعد، لضرورة تعديل قوانين المنافسة في ألمانيا. وفي المقابل، ذهبت النمسا إلى أبعد من ذلك؛ إذ شددت القيود بحيث يُسمح للمشغلين برفع الأسعار ثلاث مرات أسبوعيًا فقط، مع إمكانية خفضها في أي وقت

عن الكُتّاب

ت
تجربة الإسم

نبذة عن الكاتب تجربة الإسم