هل العلمانية الفرنسية قابلة للتصدير؟

لا يمر شهر في فرنسا دون أن نسمع بقصة وجدل فيها عن علاقة شائكة بين الإسلام والعلمانية. فهل يرفض الإسلام فكرة العلمنة بالفعل أم أن العلمانية الفرنسية هي الإشكالية؟ بادئ ذي بدء قبل تناول إشكاليات اللائكية (العلمانية) الفرنسية، لا بدَّ من التذكير بأن هذه العلمانية الجديدة تختلف عمَّا كانت عليه في بداية القرن العشرين، كما بيَّن عزمي بشارة ذلك بالتفصيل في مشروعه حول العلمانية (بشارة، 2013، 2015).
دعوني أيضًا أن أوضح أن هناك بعض المفاهيم الكونية في "العلمانية"، كونها "تعني نفي التسلُّط وحرية الضمير والمساواة في الحقوق والواجبات"[1] وتأمين الحريات الفردية في المجالين الخاص والعام. لذا لست ضد الدولة العلمانية أو ما يحبّ أن يسميها بعض المفكرين الإسلاميين بالدولة المدنية، أو ما سماها عبد الوهاب المسيري بالعلمانية الجزئية أو العلمانية الأخلاقية أو الإنسانية، بمعنى أنها دولة تتميز فيها مؤسسات الدولة عن المؤسسات الدينية في ظل مفهوم المواطنة للجميع، بغض النظر إن كانوا يتبعون لدين ما أو لا دينيين (أي تبني سياسات المواطنة في الدولة الوطنية، وليس سياسات لصالح طائفة المؤمنين فقط) وتأمين حيادية حد أدنى للدولة من المفاهيم المتنافسة للخير. وبالفعل أصبحت الدولة العلمانية -في ظل صيرورة العلمنة- هي السائدة في العالم بما فيها العالم الإسلامي، وحتى في الدول التي يحكمها حزب ذو توجهات إسلامية (ضمن تحالفات أخرى بالطبع)، مثل: تركيا، وماليزيا، وتونس، أو المغرب. وإذا كانت هذه العلمانية كونية في قضية الفصل أو التمايز بين الديني والسياسي، بمعنى حماية الدين من سلطة الدولة وحماية الدولة من هيمنة الإكليروس الديني، فليس هناك أي دليل سوسيولوجي على أن هذه العلمنة ترتبط بنقصان التدين ولا بمنع المتدينين من ممارسة السياسة من خلال إضفاء الأخلاق عليها، كما هو الحال في كثير من بلدان العالم بما في ذلك العالم الإسلامي. وسأختصر هنا لماذا اللائكية الفرنسية الجديدة غير قابلة للتصدير بخمس نقاط:
أولًا: فهم مسيحي إصلاحي للديانات الأقليات
أتفق مع الأنثروبولوجي الأمريكي طلال أسد، والفيلسوفة الفرنسية سيسيل لابورد، والمؤرخ الفرنسي جون بوبير في أن العلمانية -خاصةً في فرنسا- قد فهمت الدين على الطريقة المسيحية، وخاصةً على الطريقة الإصلاحية البروتستانتية، وبالتحديد اختزاله في الاعتقاد الفردي وحرية الضمير، ومن ثَمَّ فمكانه في الفضاءات الخاصة كالبيت والكنيسة. وهكذا تصبح الطقوس في المجال العام مجرَّد استعراضات دعائية للدين. فعلى سبيل المثال، سوف يؤخذ موقف من الحجاب الإسلامي في المدارس والمؤسسات العامة على أنه دعوة للتدين، وهذا ينافي هذه العلمانية. ويتحول بعض دعاة اليسار الفرنسي العلماني إلى "فقهاء" ليثبتوا أن الحجاب ليس من الإسلام، أو أن الحجاب هو رمز لـ"عبودية المرأة"، مسقطين معنًى ثقافيًّا منبثقًا من "الثقافة الأوروبية" على مجتمعات أخرى، وهذا ما نسمّيه بالمركزية الإثنية، منتهكين بذلك أبسط الحريات في أن الفرد هو الذي يحدِّد معنى سلوكه الاجتماعي.

مظاهرات ضد منع الحجاب في فرنسا
إن منع الحجاب في المدارس والمؤسسات العامة هو انتهاك صريح لحرية ممارسة الأديان، وبرأيي أن المسوغ (شبه الوحيد) هو اشمئزاز الفرنسيين ذوي نزعة "الثقافة الواحدة" (cultural majoritism) من الحجاب. وقد أدانت الفيلسوفة الأمريكية مارثا نوسباوم في كتابها الرائع "الاختباء من الإنسانية: الاشمئزاز، والخزي، والقانون" (Hiding from humanity disgust, shame, and the law) أيَّ قوننة تنبني على الاشمئزاز من تصرفات الآخرين، وهذا حكم عام، فيجب ألَّا تُبنى الأحكام الأخلاقية أو القانونية لمنع أفعال ما على الاشمئزاز، فمن له مسوغات ضد المثلية -مثلًا- عليه استحضارها، لا أن يكتفي بالدعوة لقوننة ضد هذه الفئة بسبب الاشمئزاز من فعل المثلية. يبدو هذا التطرف اللائكي الفرنسي شاذًّا مقارنةً بالعلمانية السمحة الأوروبية، حيث تلبس بعض الشرطيات النرويجيات المسلمات الحجاب، ويلبس بعض رجال الشرطة السيخ الشباب غطاء الرأس (التربان). وهاهي فلورنس برجو-بلاكلر تنقد بصرامة الحملة التي قام بها المجلس الأوروبي لمناهضة التمييز ضد المحجبات، معتبرة أن هناك رومانسية الحجاب، وهذا يخفي أن بعض النساء سيجري "اغتصابهم ورمي الأسيد عليهم وحرقهم إذا لم يلبسوا الحجاب" (Bergeaud-Blackler 2023: 143). ليس من الغريب أن تكون فرنسا وحدها (غير كل الدول الأوروبية) هي التي احتجَّت على هذه الحملة حتى استنكرتها النائبة في البرلمان الأوروبي والمقربة من ماكرون، سارة الحيري (وهي تنحدر من عائلة يلبس كثير من نسائها الحجاب!).
ثانيًا: العلمانية بوصفها قيمة بحدّ ذاتها
ترى العلمانية الفرنسية أن للعلمانية قيمًا كونية ثابتة بحدّ ذاتها بغض النظر عن مآلات ذلك على المجتمع، بدلًا من اعتبارها وسيلةً لتحقيق قيم الليبرالية السياسية في ظل الدولة الديمقراطية من حرية ومساواة وتعدّدية. والمقصود بالتعدّدية هنا ليس مفهوم العدل الذي يجب أن يتفق عليه كل المواطنين، ولكن تعدّدية مفاهيم الحياة الطيبة، سواء تلك التي يتبناها الأفراد أو الجماعات. لذا تقوم العلمانية بأخذ الظروف الموضوعية والتاريخية لمجتمع ما بعينِ الاعتبار. فلا يمكن مثلًا اعتبار وجود صليب في ساحة عامة منافيًا للعلمانية في بلاد تتميز بعمارتها التراثية المسيحية بينما يُعتبر وجود صليب في صفوف المدرسة العمومية مخالفًا للعلمانية.

"تمرةٌ وكأسٌ من الماء تُمثِّلُ كابوسًا للاتحاد الفرنسي لكرة القدم"
عندما تدخل المفاهيم الليبرالية للعدل ويدخل مفهوم الخيرات في تنافس وتصارع، يلجأ المجتمع إلى الجدل في المجال العام مستخدمًا العقل العمومي، أي تبريرات أخلاقية مستمدَّة من الثقافة والتراث ومتأثرة بالعولمة، بحيث يصعب تمييز ما هو بالفعل من بقايا التعاليم الدينية أو من المصادر القيمية أخرى. هنا تأتي العلمانية بوصفها وسيلةً لضبط إيقاع هذا الجدل والانتصار لمفهوم المواطنة وللسماح باستثناءات للأقليات (في مجال تأمين عبادتهم وطقوسهم وأعيادهم الدينية أو الإثنية) طالما لا يضرّ ذلك بالمجتمع. فمن الطبيعي والحِس العام أن تكون بعض العطلات الرسمية ذات أصول مسيحية لمجتمع يشكِّل المسيحيون فيه الأكثرية، ولكن هذا لا يضير السماح لأصحاب الديانات الأخرى بأن يكون لهم استثناءات لعطلاتهم كما تفعل ألمانيا مثلًا. وقد أشار الباحث السوري سلام الكواكبي إلى آخر فضيحة في فرنسا، التي تمثَّلت في إعطاء اتحاد كرة القدم الفرنسي تعليماتٍ مشدّدة لحكّام المسابقات المحلية بدرجاتها المختلفة بوجوب عدم إيقاف المباريات لإتاحة الفرصة للاعبين المسلمين لتناول جرعةٍ من الماء وقطعة من التمر في نهاية يوم صيامٍ، ومن ثَمَّ رفع مشجّعو باريس سان جيرمان لافتةً في الملاعب كُتِبَ عليها "تمرةٌ وكأسٌ من الماء تُمثِّلُ كابوسًا للاتحاد الفرنسي لكرة القدم"، فتناول الصائم إفطاره ليس عملًا تبشيريًّا، بل هو ممارسة فردية.
على الدولة أن تتدخل في شكل العقوبة حول أي عنف منزلي، وتتأكَّد أن هناك حدًّا أدنى من العقوبة التي يجب أن يقوم به القاضي الشرعي.
وهناك فرق بين مجتمع ذي تدين ضعيف يضغط على الدولة لمزيد من العلمنة ومجتمعاتٍ عربية وإسلامية تقاوم العلمنة الفصلية (أي التي تفصل) الصارمة وتريد إضفاء القدسية على طقوس الولادة والزواج والموت. ينبغي على العلمانية أن تأخذ بعين الاعتبار كثيرًا من التفاصيل التي يحدِّدها الجدل المجتمعي. فحول الزواج على سبيل المثال، ماذا لو كان المجتمع يفضّل المحكمة الشرعية؟ هذا ما بيَّنه استبيان (سأنشر تفاصيله فيما بعد) من 412 طالبًا وطالبة من الجامعات اللبنانية مستخدمين عينة غير تمثيلية، حيث إن أكثر من الثلثين هم بوضوح ضد اتجاه لرفض إلغاء المحاكم الشرعية في لبنان، متبنين موقفًا مغايرًا للكثير من جمعيات المجتمع المدني في لبنان. وإذا كان هؤلاء المستجوبون يفضلون إضفاء القدسية على الزواج، فهل هذا يعني أن للمحاكم الشرعية القدرة على تناول كل التشريعات المتعلقة بالأسرة والتي يمكن أن تدخل في تعارض صريح مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؟ هنا تكمن أهمية وجود حدٍّ أدنى كونيّ لمفهوم العلمانية. فعلى الدولة أن تتأكَّد أن من حق الأفراد المواطنين أن يختاروا محكمتهم بما فيها المحكمة المدنية. وكذلك من حق الدولة التدخل في بعض قوانين المحاكم الشرعية إذا كانت تخالف مفهوم العدالة الذي اتفق عليه المجتمع. فعلى سبيل المثال، على الدولة أن تتدخل في شكل العقوبة حول أي عنف منزلي، وتتأكَّد أن هناك حدًّا أدنى من العقوبة التي يجب أن يقوم به القاضي الشرعي، ومن حق أي مواطن اللجوء إلى محكمة مدنية في حال رأى أن المحكمة الشرعية محكمة غير مُنصِفة.
ثالثًا: إفراط العلمانية في قوننة شكل واحد لطريقة الحياة
لا يعني وجود الثقافة الوطنية منع تعدّد الثقافات الفرعية بحيث تأخذ بعين الاعتبار تعدّد الجماعات الإثنية والدينية في عصر الحداثة المتأخرة المتميزة بالتعدّدية ضمن كل دولة وطنية.
لا تلجأ العلمانية الجديدة الفرنسية للتعبير عن كونها قيمًا كونية فقط، ولكن أيضًا يجري إصدار تشريعات وقوانين صارمة ضد أديان الأقليات. فبدلًا من أن يكون هناك جدل في المجال العام مؤطر بما هو مشترك في الثقافة الفرنسية، يصبح الموضوع هو قوانين تُسنّ ضد الممارسات الدينية للأقلية. فهناك قانون حول الحجاب، وآخر ضد غطاء الوجه، وثالث ضد لباس البحر الكامل (البركيني)، وكذلك ضد مرافقة الأمهات المحجبات لأبنائهم في رحل المدارس، وكل ذلك لا يضرّ بالأكثرية، وهو ما دعا أوليفيه رواه (Roy 2022) إلى التحذير من الإفراط في التشريع وغياب دور الثقافة باعتبارها رموزًا ملموسة وغير ملموسة يشترك فيها المجتمع، وتسهل المفاوضات والجدل حولها في المجال العمومي. فالثقافة المشتركة شيء مهم في المجتمع، يلجأ لها الناس في حياتهم اليومية لحل مشاكلهم مع جيرانهم بالانتباه ليس فقط لما هي حقوقهم، ولكن أيضًا لواجباتهم والتعامل مع الآخر بأريحية وأدب يتجاوز ما يسمح به القانون أو يمنعه. وبالطبع لا يعني وجود الثقافة الوطنية منع تعدّد الثقافات الفرعية بحيث تأخذ بعين الاعتبار تعدّد الجماعات الإثنية والدينية في عصر الحداثة المتأخرة المتميزة بالتعدّدية ضمن كل دولة وطنية.
رابعًا: منع الأقليات الدينية من أخلقة الفعل السياسي
إن فصل السياسة عن الدين ليس له معنى إلَّا المعنى التقني لكلمة السياسة، فتسيّس الدين والدور الأخلاقي الذي يؤديه الدين سلبًا أم إيجابًا أصبح واضحًا في كثير من الدول العلمانية، وتأثير الكنيسة في التصويت أصبح أمرًا سائدًا في كثير من الدول الديمقراطية، كما تؤثر في اليسار أو اليمين. فنفس مريدي كنيسة "العنصرة" (Pentecostal) في البرازيل، الذين صوتوا للزعيم اليساري لويس لولا دا سيلفا (وكان لديهم 100 نائب في برلمان 2016)، قد صوتوا لجايير بولسونارو. إذ لم يعُد مقبولًا التركيز فقط على الدور السلبي للتدين سياسيًّا واجتماعيًّا بسبب دوره في بعث العنف والطائفية والخضوع الاجتماعي والسياسي، فهذا التدين نفسه يمكن في سياقاتٍ أخرى أن يؤدي دورًا في التقدّم والتضامن الاجتماعيَّيْن ومقاومة الكولونيالية والاستبداد.
لقد تحولت بعض الحركات الإحيائية إلى إسلامية جديدة؛ لأن السياسة قد روَّضت أيديولوجيتها الصلبة، وعملت السلطة على تفكيكها. لقد فرَّق هؤلاء الفاعلون السياسيون الدينيون الجدد بين قدسية رسالتهم الدينية التي يؤمنون بها ودناسة العمل السياسي الذي يتطلب بشكل أساسي الحكمة في التدبير وتقنياتها، وقد تم ذلك بواسطة فصل الدعوي عن السياسي. وهذه نقطة مهمة، فالداعية (والفقيه) سيقنع الناس بحرمة الخمور؛ لكن السياسي والقانوني قد لا يمنع بيعها، لأن من حق المسيحي وغير المتدين أن يتناولها[2]. وعلى ضوء كل ما سبق، فإن استخدام مصطلح "الإسلام السياسي" يفقد معناه؛ لأن فضفاضيته لا تفرق بين السلفية الوهابية والسلفية المحافظة والإحيائية والإسلامية الجديدة.
ملفات للتحميل
عن الكُتّاب
نبذة عن الكاتب تجربة الإسم